البكاء على التيك توك، على مرأى آلاف الغرباء: ما سببه؟!

موسيقى حزينة ، اقتباسات تدمي القلب، والكثير من النحيب. منذ عهد قريب، بدأت الدموع في تصدر المشهد على شبكات التواصل الإجتماعي. وعلى التيك توك، يظهر الآلاف من الشباب أنفسهم وهم يبكون في مقاطع فيديو قصيرة مرفقة بوسم “بكاء”. إن رد الفعل المتمثل في التقاط صورة أو تصوير المرء نفسه وهو يبكي ، في وقت يكون فيه المرء هشًا بشكل خاص (بسبب انفصال ، أو فقدان عزيز)، هو أمر يدعو للتساؤل. والمزعج أكثر هو إرفاق مثل هذه المقاطع بموسيقى ووصف توضيحي أمر … لماذا يصور المرء حزنه على الشبكات الاجتماعية؟ ما هي الدوافع التي يمكن أن تكون وراء هذا الإخراج الذاتي لمشهد البكاء بدموع حارة؟ وفيما يلي، نظرة ثاقبة للفيلسوف جان لويس كريتيان (1952-2019) ، المتخصص في المسائل المتعلقة بالبكاء.


عري دموع أمام الملء:

إنّ إظهار دموعك على الشبكات هو كشف نفسك أمام الغرباء. ومع ذلك ، وفقًا لجان لويس كريتيان ، فإن عري الدموع هذا “هو أعظم ما في الأمر لأن الوجه الذي يبكي ليس عارياً، كما هو الحال بالنسبة الجسد المجرد من الملابس، بل يصبح كذلك مع كل لحظة” (وعود خفية، إصدارات مينوي، 2004). إذا كنت لا أعرف الشخص الذي يبكي ، فغالبًا ما أجد نفسي عاجزًا أمام وجهه الذي يزداد احمرارًا وانتفاخًا، وقد شوهه الحزن. وهذا “يفسر الإحراج الذي يشعر به البعض لدى رؤية شخص ما يبكي”. ويتعرض البكاء، الذي يعد الوسيلة الأولى للتواصل لدى حديثي الولادة، للقمع مع نمو الإنسان. وغالبا ما يشعر الإنسان البالغ بـ “خزي البكاء في الأماكن العامة”، و “الاستسلام للدموع”. إن ربط البكاء بهجر ما هو ما جعل منه علامة على عدم ضبط النفس. يوضح جان لويس كريتيان ذلك قائلا: “يمكن أن يعتبر هذا الانكشاف فاضحًا ولا يطاق”.
هل يمكن أن يكون في هذا كسرًا لطابو؟
إذا كان من الطبيعي أن نشارك فرحتنا، فإننا نفضل غالبًا أن نعيش ألمنا في سرية العزلة. لكن هذا الحزن الانفرادي يزيد من تعاستنا. ويوضح كريتيان: “إن الأسى الذي يظل باطنيًا وسريًا يستمر بالنمو معنا”. وعلى العكس من ذلك، “يشكل التنفيس نوعا من الاسترخاء، من خلال توجيهنا مرة أخرى نحو العالم والآخرين”. وبالتالي ، فإن نشر المرء لمقطع فيديو يبكي فيه سيكون بمثابة انفتاح على الآخر. إذ لا عيب في الحزن: فلا شيء طبيعي أكثر من البكاء للتعبير عن النفس. هذه ، على ما يبدو ، واحدة من الرسائل التي نقلتها آلاف من المراهقين وهم يبكون على التيك توك… من خلال زيادة ظهور الوجوه الباكية، يمكننا بالتالي التوقف عن اعتبار الدموع شذوذًا فاحشًا ودليلًا قاطع على فقدان السيطرة على الذات. وهكذا، بعرضه على الشبكات ، يصبح البكاء (أو يعود) حدثًا عاديًا وإنسانيًا بعمق، ووسيلة للتعبير عن ألم المرء.


دموع التماسيح:


غير أن كتابة وصف مرفق لتعاستك هي ممارسة، وإن بدت سخيفة، فإنها قبل كل شيء أشبه بمغازلة تفتقر للأصالة. ينبهنا جان لويس كريتيان في هذا الصدد إلى “عبادة الدموع العاطفية”: فهو يستخدم هذا التعبير للإشارة إلى ما يسمى أحيانًا “دموع التماسيح” ، والتي تنبع من المبالغة أو الشفقة على الذات. عندما يشعر التمساح بحزن طفيف، فإنه يعمد إلى تضخيم الأثر، وصولاً إلى تسريع إنتاج الدموع. يؤكد كريتيان مرة أخرى أن بعض “الرومانسيين” الذين يتمتعون بـ “الغدد الدمعية المنتجة والسخية بشكل خاص” يتفوقون في هذا المجال. ولا شك أن أي شخصا ينشر مقاطع فيديو لنفسه وهو يبكي يجد متعة نرجسية في تجميل معاناته، وفي عرض متكلّف (بل حتى ترويجي) لحساسيته، في حالة من التباهي بدور الضحية. وهنا يصبح تصوير الذات “استعراضًا للصدق المزعوم”. إنّ “وهم الأصالة” هذا يجعل الدموع تفقد معناها، وكذلك فعل المواساة. في أحد فصول كتاب الوعود الخفية، يسعى جان لويس كريتيان إلى إظهار “إنسانية الدموع”. على العكس من ذلك، على التيك توك، يساهم هذا الإخلاص الزائف في تجريد الدموع من إنسانيتها.


إنّ الدموع الحقيقية لا بد أن تُسمع. إذا كنت محظوظًا بما يكفي لتتمكن من القيام بذلك ، فإن البكاء على كتف صديق أو أحد أفراد أسرتك هو على الأرجح أفضل طريقة للتعامل مع حزنك. يمكن للغرباء الذين يشاهدون مقاطع فيديو لأفراد يبكونعلى الشبكات الاجتماعية أن يشعروا بالتأكيد بنوع من التعاطف تجاههم، والذي يظهرونه إذا لزم الأمر من خلال إرسال تعليقات داعمة، لكنهم على الأرجح غير قادرين على سماع حزن الآخر في بعده الفريد والعميق. في حين أنّ “من يبكي يحتاج بشكل عاجل إلى أن يُسمع”، يضيف كريتيان. إنّ هذه القدرة على تلقي الحزن في حميمية اللقاء وجهاً لوجه، وليس من خلال الشاشات، هي التي تعيد للدموع لكل إنسانيتها.

المصدر: Philosophie magazine

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s